الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

388

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

للبحث السابق . في الآية الأولى من هذه المجموعة استفهام إنكاري : أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى . وهذا وصف رائع ، فهو لم يقل : أفمن يعلم أن هذا القرآن على الحق كمن لا يعلم ؟ بل قال : كمن هو أعمى ؟ وهذه إشارة لطيفة إلى أنه من المحال أن لا يعلم أحد بهذه الحقيقة إلا أن يكون أعمى القلب ، فكيف يمكن لإنسان يمتلك عينا سليمة ولا يرى نور الشمس ، وهذا القرآن كالشمس . ولذلك يجئ في نهاية الآية قوله تعالى : إنما يتذكر أولو الألباب . " الألباب " جمع لب بمعنى جوهر الشئ ، ويقابل اولي الألباب أولو الجهل والعمى . إن هذه الآية - وكما يذهب إليه بعض المفسرين - تحث الناس على طلب العلم ومحاربة الجهل ، لأنها تعد الفرد الفاقد للعلم كمن هو أعمى . ثم بين سيرة اولي الألباب من خلال ذكر صفاتهم الحميدة ، وأول ما أشار القرآن إليه وفاؤهم بالعهد وعدم نقضهم له والذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق . إن " عهد الله " له معنى واسع ، ويشمل العهود الفطرية التي عاهدوا بها ربهم كالفطرة على التوحيد وحب الحق والعدالة ، والمواثيق العقلية التي يدركها الإنسان من خلال التفكير والتعقل لعالم الوجود ، والمبدأ والمعاد ، وتشمل كذلك العهود الشرعية ، وهي ما عاهدوا الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليه من الطاعة للأوامر الإلهية وترك المعاصي والذنوب . وتشمل هذه المجموعة كذلك الوفاء بالعهد بين الأفراد ، لأن الله سبحانه وتعالى أوصى بها ، بل تدخل ضمن الوفاء الشرعي والميثاق العقلي . الصفة الثانية من صفات أولي الألباب هي والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل .